القصة لم تعد سرا : لبنان الذي قيل ، يوم رسمت حدوده في عشرينيات القرن الفائت ، انه مجرد خطأ تاريخي ، لا يزال وفيا لنفسه . انه ، كالعادة ، يندفع الى حافة الهاوية ، ان لم يكن الى فوهة البركان.
في زمن الميثاق الأول (أو الكذبة الأولى) كان لبنان وليد رفضين . النصف المسيحي رفض الأنتماء الى الغرب ، والنصف المسلم رفض الوحدة مع الشرق ، وكانت الميثاقية التي سموها دستور 1943 .
وفي زمن الميثاق الثاني (أو الكذبة الثانية ) عاد لبنان الى” الأستقرار” بعد حرب أهلية طالت بفعل تلاقي “السين- سين ” أي سوريا والسعودية على دستور الطائف الذي ظل يطبق برعاية سورية ومباركة عربية – دولية حتى الأمس القريب …وعندما انشغل العراب السوري بهمومه عاد لبنان الى حالة تشبه انعدام الوزن .
اليوم كل شيء في نقطة البداية أو بداية البداية ، وكأن الوطن الصغير خرج لتوه من عباءة الأنتداب الفرنسي ،ولبنان الطائف الذي كان يتوكأ على عكازين خشبيين يواجه الأعصار الأقليمي مكشوف الرأس عاري القدمين ، وكأن السنوات السبعين التي انقضت من عمر الدولة مجرد وهم . الميثاق الأول راح ، والميثاق الثاني سقط على حين غفلة ، والدولة لم تولد بعد .أما “التوافق” الذي يكثر الحديث عنه والتغني به فانه نوع من ” التنافق ” المبطن لا أكثر ولا أقل .
والمفارقة مفارقات :الأولى أن لبنان الأستقلال الذي ولد من رحم سلبيتين ( لا للوحدة العربية ولا للحاق بركب الغرب ) لا يزال يعاني من هذين اللائنتماءين.الصراع قائم في الوعي كما في اللاوعي اللبناني ، واللبنانان الذان يشكلان الوطن – أو ما يفترض أنه الوطن – يخوضان سرا وجهرا حروب الغاء مفتوحة ، مع ملاحظة أساسية : محاولة الجناح المسلم الغاء الجناح المسيحي هي في حد ذاتها الغاء للذات ، ومحاولة الجناح المسيحي التنكر للجناح المسلم الغاء آخر للذات ، وفي الحيز الضيق بين الألغاءين مؤسسات مشوهة ودولة هشة .
المفارقة الثانية أن الخلط قائم في لبنان بين الصيغة والميثاق، الأمر الذي يولد أزمات وطنية مفتوحة وبلبلة فكرية دائمة .الوجدان اللبناني أسير التناقضات التي يعيشها المجتمع بكل أطرافه ، وهو لم يتصالح حتى الآن مع مفهوم الدولة ، وكأن لبنان استقل دستوريا من دون أن يستقل تاريخيا … أما مصالحة لبنان مع وجدانه ومع تاريخه فأقرب ما تكون الى المرض العضال الذي يداوى بالمسكنات.
المفارقة الثالثة أن ” فائض القوة “لدى اللاجئين الفلسطينيين بالأمس ، و” فائض القوة” لدى الشيعة اللبنانيين اليوم ، كلاهما نقيض الدولة . ورغم هذا كله يتطلع الشيعة اللبنانيون ، كما الفلسطينيين في السبعينيات، الى الدولة أو بقايا الدولة ، من أجل الخروج من النفق . وكما في حرب 1975 ، يوم حوصر الفلسطينيون من الداخل كما من الجنوب ، يتلمس حزب الله السبل للملمة المأزق السوري الذي طال ، وفي حساباته أن اسرائيل يمكن أن توظف حرب الأستنزاف التي يعيشها من أجل تغيير المعادلات الأمنية والأستراتيجية القائمة .
نتوقف هنا عند سؤال : من أطلق الصواريخ على ضاحية بيروت الجنوبية ؟
الجواب حتى اللحظة أقرب الى الأجتهادات منه الى الوقائع .
نقرأ : انها اسرائيل تستهدف السلم الأهلي والمقاومة في آن .
ونقرأ : انها الأجهزة الأمنية في سوريا تعمل على تعميق الشرخ بين حزب الله وخصومه من أجل تكريس انخراط الحزب في القتال .
ونقرأ : انه أحد فصائل المعارضة السورية المسلحة يحاول الأنتقام لمعركة القصير .
ونقرأ : انهم الأصوليون التكفيريون يحولون توجيه رسالة بالنار الى حزب الله في عقر داره من أجل ثنيه عن القتال في سوريا .
وما لا نقرأه في أي اجتهاد هو أن لبنان يمر بمخاض تاريخي جديد ، نتيجة دخول قوى اقليمية كبيرة على خط المواجهة ومشاركة أكثر من طرف دولي في النزاع . وفي معلومات محدودة التداول أن مسلحين من 48 دولة عربية وافريقية وأوروبية يشاركون في حرب سوريا .
أنه زمن آخر هذا الذي تعيشه المنطقة اليوم بعدما انهارت المعادلات التي حكمت المنطقة طوال العقود الستة الأخيرة . مركز الجابية في لبنان كما في الشرق الأوسط يتبدل ، والدول العظمى تدرك ذلك تماما بعدما هبطت الولايات المتحدة الى المرتبة الثانية على مستوى صناعة القرار الدولي .
يبقى سؤال : من يدير غدا الأنهيارات التي تتعمق في سوريا ودول الجوار السوري ، بعدما تأكد أن حرب سوريا ( وليس الربيع العربي ) هي العامل الحاسم في اعادة ترتيب مواقع النفوذ الأقليمية والدولية وربما في اعادة رسم الخرائط ؟
ان الرؤية التبسيطية للصراع بين روسيا والولايات المتحدة لم تعد تكفي لقراءة المستقبل ، واستيعاب التحولات الكبرى لم يعد ممكنا عبر هذه القراءة .
والبعض يرى أن تسليح المعارضة السورية استعراض ثانوي جدا في سلم الأهتمامات التي تبدأ بمشروع ايران النووي وتنتهي بجراحات عميقة على مستوى المنطقة .
أما اقحام الضاحية الجنوبية من بيروت في حرب لبنانية داخلية فأنه يصب في المشروع التفاوضي القائم بين واشنطن وطهران أكثر مما يصب في رسم ملامح المرحلة الأنتقالية في سوريا .
صواريخ الضاحية أقرب ما تكون الى لحظة اقليمية تتشابك فيها مصالح متعددة ومتناقضة في آن ، ولايملك أحد حتى اللحظة القدرة على تعريب الخيوط .