أمور كثيرة تغيرت في اداء بكركي ، في السنوات الثلاث الأخيرة ، وكثيرة هي الدلائل على أن مواقف البطريرك بشارة
الراعي بدورها تغيرت ، تكتيكيا واستراتيجيا ، على أكثر من صعيد .
وليس سرا أن التلاقي السني الماروني كان السمة الأكثر بروزا في تعاطي البطريرك نصرالله صفير السياسي والميثاقي ، وأن علاقات الكنيسة المارونية بالشيعية السياسية ظلت طوال ربع قرن تقتصر على الأنفتاح الشكلي ، ولا تتجاوز المجاملات البروتوكولية .
بيان بكركي الشهير في العام 2000 ، الذي طالب بالأنسحاب السوري من لبنان ،شكل نقطة تقاطع غير معلن مع النهج الحريري في الحكم ، وهو تقاطع تعزز بعدما كبر سوء التفاهم بين قريطم وقصر المهاجرين . يومذاك ، وبعد تردد طال ، اقترب رئيس الحكومة من طروحات الصرح البطريركي ، فيما ظل أقطاب الشيعة يراهنون على الدور السوري الأيراني.
في الأشهر الأولى من ولاية الراعي ، التي تزامنت مع أحداث الربيع العربي ( هكذا سموه في حينه ) ، وفي أعقاب لقاء البطريرك ونيكولا ساركوزي ، فهم سنة لبنان والمنطقة أن بكركي تتعاطف مع بشار الأسد ونظامه ، وتحاول من موقعها تأمين تغطية سياسية للعنف الذي يمارسه في وجه معارضيه ، بل خصومه .
هذا الأنطباع بدأ يتراجع ، من دون أن يتبدد ، مع اقتراب الأستحقاق الرئاسي ، الذي ينفتح فيه الصرح الماروني على جميع اللبنانيين من دون استثناء ، محاولا الظهور وكأنه على مسافة واحدة من الأطراف كافة .
كيف يمكن معاينة هذا التبدل ؟
القرار الذي اتخذته بكركي ، بعد مشاورات طالت ، هو باختصار : ان الطبخة الرئاسية لن تمر من دون ارادة المسيحيين ، وبالتحديد الأقطاب الأربعة الأكثر تمثيلا للقاعدة المسيحية ، وتحت سقف بكركي . وقد أبلغ الراعي فريق العمل الذي يتعاون معه في مواكبة معركة الرئاسة الأولى ، أنه ” حان الوقت لكسر التقليد المعمول به منذ مطلع التسعينيات ، والذي يأتي برئيس الجمهورية ، أعلى موقع سياسي في الدولة ، من دون موافقة المسيحيين أو ممثليهم الحقيقيين ” .
انطلاقا من هذا القرار تم التواصل مع الأقطاب الموارنة في الصرح ، للتوافق معهم على مقاربة واحدة في خوض المعركة ، تختصر في أن ممثلي الموارنة يرفضون أي وصاية داخلية أو خارجية في اختيار الرئيس ، وتجاوبا مع قناعاتهم العميقة ، هم يريدون رئيسا قويا ، يتمتع بحاضنة شعبية واضحة ، وترتضيه الأطراف المسيحية ، ما يعني ضمنا أن الأقطاب الأربعة جميعا مرشحون .
قرار بكركي والأربعة هو اذا قرار واحد ويصب في اتجاه واحد : لن يفرض أحد على الموارنة رئيسا ، لأن القضية تعنيهم أولا بقدر ما تعني مستقبل الوطن ، والقيادات المارونية ليست مستعدة لأن تمشي في ركاب أحد ، أو في رهانات لا تسلم بها . أما الآلية التي تترجم هذا التوجه فهي ببساطة : تأمين النصاب ، ثم تأمين دورة انتخابية أولى ، يتم فيها تعريب الخيوط ، على أن تخاض الدورة الثانية بمرشحين اثنين ، باحترام كامل لأحكام الدستور والأصول الديموقراطية .
ما حظ هذه الآلية من النجاح ؟
الذين يجيدون قراءة الفنجان الرئاسي ، يميلون الى الأعتقاد بأن هذه الآلية محكومة بالفشل ، لأربعة أسباب على الأقل :
1 . أن أحدا لا يضمن أن يستقطب أي من المرشحين النهائيين ال 65 صوتا المطلوبة للفوز ، لأن الأقطاب الأربعة لا يتمتعون بمواصفات المرشح المقبول في الأوساط السنية والشيعية على السواء ، والمسألة هنا ميثاقية بامتياز لا تحتمل المساومات .
2 . ان الحذرالمتبادل بين جعجع وعون لا يزال في الذروة ، بدليل أن جعجع قاطع اجتماع بكركي الأخير ، لا لأعتبارات أمنية ، وانما لأن جدول أعمال اللقاء ، بل اللقاء نفسه ، تم بايحاءات عونية ولم يأت بمبادرة مشتركة بين عون و”القوات” .
3 . ان القوى الداخلية المؤثرة في سير المعركة ( بصورة خاصة بري وجنبلاط والحريري ) ليست على استعداد للمساومة على دورها ومكاسبها ، وهي مكاسب ورثتها عن السوريين ولا تزال تتمسك بها .
4 . ان التلاقي الأيراني السوري السعودي في لبنان والمنطقة ، لم يصل بعد الى حد التفاهم على الرئيس اللبناني الجديد ، والدور المنوط به في المرحلة الراهنة ، وهو أكثر تعقيدا مما يتصور واضعو استراتيجيات بكركي ومذكراتها .
فرص نجاح “المبادرة الراعوية” اذا أقل من فرص فشلها ، لكن الحقيقة التي تطفو بوضوح على سطح هذه المبادرة هي أن بكركي قطعت منذ الآن الطريق على مرشحي دمشق في المعركة . والمرشح الأكثر تقدما في الحسابات السورية ، والذي لا يزال ورقة مستورة حتى الآن ، هو الوزير السابق جان عبيد ، حصان النظام السوري الأول ، الذي تصفه الدوائرالسورية والأيرانية والعراقية الحليفة بأنه ” رئيس ممانع ” يلبي حاجات المرحلة المقبلة ، ويعطل الدورين المسيحي والسني في آن .
وبكركي التي تغيرت تملك ما يكفي من المعلومات حول ” الأوراق المستورة ” و” أحصنة طروادة ” المموهين ، وهي ترصدها بعناية ، وورقة جان عبيد ، التي يروج لها المروجون ، من حلفاء سوريا الأسدية ، ساقطة سلفا ، وهي أقرب ما تكون الى المهمات المستحيلة .