أي نجاد؟

ثمة شعور يتنامى خلاصته ان محمود احمدي نجاد خسر المعركة في النهاية، رغم أنه أقسم اليمين الدستورية، ببركة المرشد الأعلى، وهو يستهل ولايته
الثانية بقدر كافٍ من الاطمئنان. ومرد هذه الخسارة الى ان ما حدث في ايران خلال الاسابيع الاخيرة لم يكن في النهاية حالة ديمقراطية. ما حدث كان مزيجاً متنافراً بما فيه الكفاية بين التيوقراطية والديمقراطية، وقد تبين ان هذا التمازج صعب جداً ان لم يكن مستحيلاً.
واذا كان “نجاد الأول” قد وصل الى سدة الرئاسة من الباب الثوري، وبنى شعبيته على بساطة مظهره وزهده في المظاهر السلطوية، وتقشفه الواضح، اضافة الى نبرته التصعيدية، فإن “نجاد الثاني” سلطوي بامتياز في التعامل مع اخصامه كما مع نفسه… والدليل انه تخلى عن بلاغته اللفظية وتقشفه
وبساطته وانزلق الى العنف بكل أشكاله. نجاد العائد ليس بالتأكيد نجاد الثوري، ولو استظل عباءة المرشد الأعلى والفريق الديني الذي يؤازره من دون شروط. ثم ان الرئيس العائد رئيس مشكوك في شرعيته رغم كل التصريحات المعاكسة، والذين يعترضون على نتائج الانتخابات ليسوا قلة هامشية في ايران، انهم عصب اساسي في الامة الايرانية وركن اساسي من اركان الثورة الاسلامية، وحالة بالغة التأثير في الرأي العام الايراني. اليوم يقول الايرانيون، او فريق منهم على الأقل، ان نجاد رئيس يتمتع بكل مواصفات الدكتاتور، وتتعامل الحكومات والشعوب الغربية مع ايران على هذا الأساس، رغم اعتراف الولايات المتحدة بأن الرئيس الايراني هو في النهاية “الرئيس المنتخب”. وثمة اقتناع قد يتبلور خلال الاسابيع والاشهر المقبلة مفاده ان الفشل النجادي ليس ديمقراطياً فقط، وانما هو فشل اقتصادي – اجتماعي في الاساس. وليس سراً ان ايران لا تعاني فقط من العقوبات الاقتصادية التي تتنوع بين تجميد الارصدة واعاقة الاستثمارات وتصعيب جدولة الديون الخارجية، ومنع استيراد المواد التكنولوجية المتقدمة، وانما تعاني ايضا من الجمود في السياسات التنموية العامة التي سجلت في مرحلة ما بعد الخميني قفزات مشهودة. اقتناع آخر يفرض نفسه هو ان المرحلة الخاتمية التي اعترض عليها المتشددون، والتي كان يمكن ان تكون توفيقية بين الاسلام الثوري والديمقراطية، انكفأت بصورة دراماتيكية على يد نجاد ورفاقه، وأعادت ايران الى رقابة داخلية فظة تترجم اليوم حرباً على العلمانية وتضييقاً على الحريات، الأمر الذي لا يساعد كثيراً في تقديم صورة مشرقة عن “العدالة الاسلامية” أو العدالة المستندة الى تعاليم الاسلام. وخطاب نجاد الجديد لا ينسجم تماماً مع شعارات حملته الانتخابية الاولى التي تركزت على اخراج الفقراء من اوضاعهم المعيشية الصعبة، وقد يؤدي هذا الخطاب الى نقيض الاصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي، لأنه جزء لا يتجزأ من الايديولوجيا المتطرفة التي لم تحقق يوما اي انماء حقيقي. واذا كان “الاسلام هو الحل”- وهذا ممكن- فإن عهد نجاد الاول، كما ملامح عهد نجاد الثاني، كلاهما لا ينبئان بأن المرحلة المقبلة هي مرحلة حلول في ايران، والقمع الذي مورس في الساحات العامة في الاسابيع الاخيرة يوحي بأن “النجادية”- اذا صح التعبير- مرادف للشوفينية والدكتاتورية  والكبت والحرمان. هل نريد بهذا الكلام الانتقاص من دور ايران الاسلامي والاقليمي والدولي؟ قطعاً. نحن نريد لإيران الاسلامية الثورية ان تتعملق شرط ان تستطيع التوفيق بين مستلزمات الثورة ومستلزمات الحرية، فلا تتحول الثورة الى حبل مشنقة للحريات الفردية والعامة. نريد للخمينية، وبالتحديد للفكر الديني الشيعي، ان يتسع لحاجات العصر وتحدياته، وتطلعات الجيل الايراني الشاب الى الحداثة والتطور، من دون ان يفقد شيئاً من زخمه الثوري التاريخي. وايران القادرة على تغيير وجه المنطقة، يفترض ان تكون قادرة على احتواء مشاكلها الداخلية قبل ان تتحول الحركة الاصلاحية الى حركة تغيير شاملة… على حساب الثورة.


Posted

in

by